قائمة المنشورات


 المنشورات


 العودة إلى المنتدى

منوعات    

البناء السياسي ومستقبل السودان في الحكم

Admin | منشور الأربعاء أغسطس 16, 2017 2:57 am


1

يشير مفهوم البناء السياسى الى تلك المؤسسات والبنيات السياسية والمنظمات التى تشكل – مجتمعة – النظام السياسى ، وتختلف هذه المؤسسات والأبنية من دولة إلى أخرى تبعاً لوظائف النظام السياسى  وطبقاً للقيم السياسية والثقافة السائدة فى الدولة المعنية. وإذا كان المشهور هو أن البناء السياسى يشير إلى المؤسسات والأبنية السياسية ،إلا أن البعض يرى فى الثقافة السياسية والقيم الاجتماعية السائدة فى المجتمع المعنى جزء لا يتجزأ من البناء السياسى ما دامت هذه القيم  توجه المؤسسات وتعمل على تدعيم البناء السياسى واستقراره (1).

وعلى كل ، فان البناء السياسي لاى دولة لا يمكن النظر اليه ككتلة صماء واحدة ،ولكنه مجموعة مؤسسات تعمل مع بعضها البعض ،وبصورة تكاملية ،من أجل تحقيق الأهداف الكلية للمجتمع .فى ذات الوقت ،يرى بعض المفكرين ان هنالك علاقة مباشرة بين الفاعلية والأداء السياسى من ناحية . والبناء السياسى من ناحية أخرى ،وأن البناء السياسى المحكم والمتماسك هو الذى يعزز الفاعلية ويجود الاداء السياسى وعلى العكس من ذلك فإن ضعف وترهل البناء السياسى من شأنه تقليل الفاعلية وإضعاف الأداء السياسى.

وفى السودان يعانى الواقع السياسى من إشكاليات جوهرية تجلت فى الفشل الواضح فى إيجاد معادلة سياسية تحقق التنمية والاستقرار ، واستمرار الحروب الأهلية فى انحاء السودان المختلفة، فضلاً عن فشل مشروعات التنمية بالبلاد، وضعف الولاء الوطنى وارتفاع الأصوات المنادية بالانفصال الى غير ذلك من المظاهر السالبة . ولقد اشار الكثيرون الى ان ما يظهر على السطح من مشاكل وصراعات، تكمن جذوره فى البناء السياسى والهيكلى فى السودان .

يقوم الباحث في هذا الجزء من الورقة بالسعي لمعرفة أثر البناء السياسى على الأوضاع السياسية بالبلاد، والوقوف على جوانب الضعف والقصور فى المؤسسات التى تشكل البناء السياسى فى السودان، وسبل مواجهة أوجه الضعف والقصور فى البناء السياسى السودانى وإيجاد المعالجات اللازمة لهذه القضايا بما ينعكس إيجابا على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالسودان .

أولا:ً : مكونات البناء السياسى فى السودان.

إذا كان البناء السياسى هو الإطار التنظيمى الذى تندرج تحته كل أوجه السلوك السياسى ، فيمكن الإشارة الى عدد من المؤسسات السياسية التى تشكل هذا البناء، ومن هذه المؤسسات : الدولة ، الأحزاب السياسية، المجتمع المدنى.... الخ، وسنقوم هنا بإلقاء الضوء على هذه المؤسسات بشئ من التفصيل .

1-  مؤسسة الدولة :

تعد إشكالية بناء الدولة القومية، أو ما يشار إليه باسم أزمة التكامل القومى أكبر المعضلات التى واجهت الدول المستقلة فى أفريقيا عموماً ، لأن بناء الدولة القومية يعتبر شرطاً ضرورياً لتحقيق الدولة لأهدافها الأخرى .

إن مشكلة التكامل القومى فى السودان تتمثل فى التنوع العرقى والثقافى الكثيف ، مع فشل أساليب واستراتيجيات إدارة التنوع الثقافى .

لقد فشلت الأنظمة المتعاقبة على حكم السودان منذ الاستقلال فى إيجاد حل لهذه المشكلة المستعصية واستخدمت بعض هذه الأنظمة سياسة الاستيعاب لصهر الجماعات السودانية المختلفة فى بوتقة واحدة، وهو فى ما قاد الى نتائج عكسية فبدلاً من تحقق الوحدة الوطنية قادت جهود الاستيعاب الى المطالبة بالانفصال عن الدولة وتأسيس كيان جديد .

لقد تداخلت العوامل الثقافية والاجتماعية مع المطالب التنموية لتزيد من تعقيدات الصراع فى السودان، واندلعت حركات التمرد فى الجنوب والشرق والغرب

ان العلاقة بين المجموعات المشكلة للجماعة الوطنية (عموم سكان الدولة)، وعلاقة المواطنين المحكومين بالسلطة الحاكمة هى اللبنة الأولى للبناء السياسى، وكلما توطدت هذه العلاقة وكانت تكاملية ، كلما زاد البناء السياسى تماسكاً والنظام السياسى استقراراً.

2-  الأحزاب السياسية : 

نشأت الأحزاب السياسية السودانية فى أربعينيات القرن الماضى وذلك فى إطار الصراع مع المستعمر حيث نشط السودانيون عقب إعلان ميثاق الاطلسى فى العمل السياسى فقام حزب الأشقاء عام 1944م وحزب الأمة عام 1945م والحزب الشيوعى عام 1946م(2) .

إن الأحزاب السياسية هى المؤسسات المناط بها رفد القيادة السياسية بالعناصر ذات الكفاءة، وتنمية الوعى السياسى لديهم،واجتذابهم من دائرة السلبية الى دائرة الإيجابية، وتعزيز روح المشاركة السياسية لديهم .

وبالتالى فإن وضع الأحزاب السياسية من حيث القوة والضعف ينعكس بشكل مباشر على البناء السياسى برمته، فكلما قويت الأحزاب ولعبت أدواراً اكبر فى المجتمع، كلما تعززت المشاركة السياسية وقوى البناء السياسى. 

تمتاز الأحزاب السياسية فى السودان بالعراقة ،كما سبقت الاشارة ، .لكن، ورغم طول عمر هذه الأحزاب، فإن أغلب الأحزاب السودانية لا تزال عاجزة عن ممارسة الدور السياسى المطلوب منها، وهى لم تتطور لا من حيث رؤاها الفكرية وبرامجها السياسية ، ولا من حيث هياكلها التنظيمية .

ولقياس فاعلية الأحزاب السياسية يستخدم الباحثون عدداً من المعايير مثل : البناء التنظيمي ، القواعد الجماهيرية، البرنامج، القيادة، آليات الخلافة السياسية فى الحزب ومصادر التمويل .

  وبتطبيق المعايير المشار اليها على الأحزاب السودانية لوحظ ان اغلبها يعانى من مشاكل جوهرية مثل ضعف الهياكل التنظيمية ،وغياب البرنامج ،وآليات الخلافة السياسية ،كما أنها تعانى من مشاكل قعدت بها -فى كثير من الأحيان – عن تحقيق أهدافها(3).

في هذا الصدد لابد من التأكيد على عدد من الحقائق المهمة فيما يتعلق بالأحزاب السياسية . من هذه الحقائق الآتى:ـ

1. تعانى الأحزاب من مشاكل تتسم بالتعقيد الشديد ، ومن هذه المشاكل ما هو تأسيسى، (يتعلق بظروف النشأة والتكوين) ، ومنها ما هو بنيوى (يتعلق بالبناء الحزبى نفسه)، ومع ذلك ورغم عراقة هذه الأحزاب فان الجهود المبذولة لمعالجة هذه المشاكل ضعيفة للغاية.

2.  ان الأمور فى الأحزاب السياسية السودانية بشكل عام لا تسير نحو الأفضل بما يقود للتفاؤل بمستقبلها ، وكل المؤشرات تشير الى تراجعها وتعمق أزماتها، فبينما كان الحزبان الطائفيان يكتفيان بدور الرعاية فى ستينيات القرن الماضى ، جمع الزعيمان حالياً بين زعامة الطائفة من جهة ورئاسة الحزب من جهة كما برز اتجاه لتوريث الزعامة فى الحزبين الطائفيين .

3.  يبدو واضحاً عجز الأحزاب عن الالتقاء على أهداف جامعة ، وقد تمت محاولات مختلفة  للالتقاء والتوحد على أساس برنامج الحد الأدنى ولكن لم تسفر هذه المحاولات عن شئ يذكر.

4. لا يبدو ان الأحزاب قادرة على حل مشكلة التمويل ، وسيصبح التمويل اكبر مشكلات الأحزاب السودانية خاصة فى مواسم الانتخابات.

ولا شك أن ضعف الأحزاب السياسية ينعكس مباشرة على البنية السياسية بالبلاد ،وبالتالى فان إصلاح شأن الأحزاب السودانية هو المدخل الرئيسى لتعزيز البناء السياسى وتقويته.

3-  المجتمع المدنى السودانى :

يقصد بالمجتمع المدنى كل المؤسسات والهيئات التى تملأ الفراغ الممتد بين الدولة والمجتمع، وتشمل التنظيمات المهنية والفئوية (4). 

ظهرت تنظيمات المجتمع المدنى الحديثة في السودان مبكراً (مطلع القرن العشرين )، وقد تمثل ذلك فى نقابات العمال وتنظيمات المزارعين ،وتنظيمات المرأة والشباب والطلاب ، فضلاً عن الجمعيات الثقافية .

لقد لعبت هذه التنظيمات أدواراً مقدرة فى العمل الوطنى وانخرطت فى نشاط سياسى واسع أبان مرحلة الكفاح ضد الاستعمار حيث شارك الطلاب والعمال والنساء بقسط وافر فى هذا الصراع وقادوا إضرابات عمت كل إنحاء القطر .

كان من المفترض ان تستقل النقابات عن القوى السياسية ، وأن توجه جهودها لخدمة قطاعاتها ، لكن هذه التنظيمات وقعت تحت تأثير الأحزاب السياسية حتى تحول بعضها من تنظيمات نقابية الى أذرع للأحزاب السياسية وسط العمال والطلاب والموظفين .

لقد انعكس الصراع بين هذه الاحزاب على العمال والطلاب خاصة ،وكان لذلك آثاره السالبة على هذه القطاعات لأن النقابات بارتباطاتها السياسية هذه قد فقدت استقلالها وحيادها ، وتركت مشاكل العمال والطلاب جانباً وانغمست فى النشاط السياسى ،فأدى ذلك إلى التباعد بينها وبين جماهيرها وقاد الى تناقض فى مواقفها فى كثير من الأحيان بسبب مجاراتها للأحداث السياسية(5).ولا يزال التسييس هو أهم سمات المجتمع المدني السوداني .

. وبشكل عام ، يلاحظ على تنظيمات المجتمع المدنى السودانية الآتي(6):ـ

1. التسييس : غدت هذه التنظيمات ، كما سبقت الإشارة ، أذرعاً  لتنظيمات سياسية معينة مما أفرغها من محتواها ، وجعلها عرضة لتقلبات السياسة وتناقض المواقف .

2. ضعف او غياب التمويل : حيث تعانى اغلب هذه المنظمات مشكلة التمويل ،  وما لم تحل المشكلة ستظل هذه التنظيمات ضعيفة وعديمة الجدوى.

3.  غياب التنسيق فيما بينها : فمع كثرة التنظيمات المجتمعية ووجود تشابه فى أنشطتها وأهدافها ، إلا أن التنسيق فيما بينها لا يزال ضعيفاّ.

4. ضعف التدريب وبرامج التنمية البشرية : فلا تزال قيادة هذه التنظيمات تفتقر الى القدرات اللازمة لتيسيير أمورها بالصورة المطلوبة ، وبالتالى فهى بحاجة الى برامج لرفع وتعزيز القدرات لدى قياداتها بما ينعكس إيجاباً على أدائها.

5.  غياب الثقة بينها وبين مؤسسة الدولة : فمن ناحية ترى بعض هذه التنظيمات أن مهمتها الأساسية هى معارضة السلطات القائمة ، ومن ناحية أخرى تنظر الحكومة الى بعض هذه التنظيمات على أنها تنظيمات معادية ولها ارتباطات خارجية خاصة تلك التى تعمل فى مجال حقوق الإنسان ، وهو ما أضعف العلاقة بين الطرفين فانعكس ذلك على أداء الحكومة والمجتمع المدنى معاً.

نبذة عن الكاتب